عن الأرقام في الاقتصاد والخطة الإنقاذية

بعد الأزمة الاقتصادية الشرسة التي ضربت العالم عام 2008، وظّفت الدول  الغربية الكثير من الموارد في الأبحاث الاقتصادية لاجتراح حلول تخرجها من مآزقها الاقتصادية.  في عام 2012، صدرت ورقة بحثية بعنوان (Growth in a Time of Debt) لباحثين رائدين في العلوم الاقتصادية يُدعيان رينهارت وروجوف (Reinhart & Rogoff)، من جامعة هارفرد في الولايات المتحدية الأمريكية، في مجلة علمية مرموقة جدًا في أوساط الاقتصاديين (*).

تناول البحث تحليل العلاقة الممكنة بين النمو الاقتصادي في دولة ما وبين نسبة الدين العام المتراكم (accumulated debt) من قيمة الناتج المحلي الاجمالي (GDP)؛ لنسمّي هذه النسبة XYZ في هذا النص تسهيلاً للعرض. تعتبر نسبة ال XYZ من المؤشرات الأساسية التي تتابعها الدول في التقييم والتخطيط الاقتصادي، وقد اعتمد الباحثان على معطيات اقتصادية متوفرة منذ عام 1946 لعشرين دولة غربية في حساب هذه النسبة. 

في ورقتهما البحثية، أجرى الباحثان عمليات حسابية إحصائية بين الدول العشرين في محاولة للعثور على علاقة بين النمو الاقتصادي وبين نسبة ال XYZ؛ فقسّما هذه النسبة إلى أربع خانات، بين صفر و 30%، وبين 30% و 60%، وبين 60% و 90%، وما فوق ال 90%؛ وفي كل خانة من الخانات الأربع، قاما بحساب متوسط النمو الاقتصادي لهذه الدول مند 1946. في الخانة الأولى، التي لا تتجاوز فيها نسبة ال XYZ ال 30% بلغ متوسط النمو الاقتصادي قيمة 4.1%. بينما بلغ متوسط النمو الاقتصادي قيمة 2.8% عندما ترواحت نسبة  ال XYZ  بين ال 30% و ال 90%، أما بعد نسبة ال 90%، فقد لاحظ الباحثان أن النمو يستحيل ركودًا بغتة، بحيث يصبح متوسط النمو الاقتصادي سلبيًا  بقيمة 0.1%.  هذه هي النتيجة الأساسية (الثورية) التي منحت البحث قيمة كبيرة جدًا على الأقل في الدول التي شملتها الدراسة. اعتمادًا على هذه النتيجة، انكب الاقتصاديون الغربيون على المحاججة والتخطيط الاقتصادي، واعتمدت الكثير من الدول الغربية في سياساتها على عتبة ال 90% كمؤشر جوهري تعتمده في وضع خططها الاقتصادية. فمن سوف يتردد في الاعتماد على نتيجة من هذا النوع نُشرت في مجلة اقتصادية عريقة بقلم نجمين اقتصاديين؛ هكذا لم تبقَ الورقة حبًرا على ورق. 

إلا إن القصة لم تنتهِ هنا. بعد ثلاث سنوات من نشر الورقة البحثية المذكورة، وخلال تحضيره لواجبه الجامعي، قام الطالب في كلية الاقتصاد توماس هيرندون (Thomas Herndon) باختيار هذه الورقة لإعادة حساب النتائج المعروضة فيها انطلاقًا من ذات المعطيات التي استخدمها الكاتبان. بعد محاولات عدة، لم يستطع هيرندون إعادة انتاج الأرقام المتواجدة في البحث؛ هذه الأرقام التي لا بد، في المبدأ، أن تكون صحيحة طالما أنها نُشرت في مجلة بحثية مرموقة من هذا النوع. بعدما يأس الطالب هيرندون في محاولاته، استشار أساتذته، ثم قرروا إرسال طلب إلى الباحثين رينهارت وروجوف للحصول على تفاصيل عملياتهما الحسابية؛ وبالفعل أجاب الباحثان طلب هيرندون. 

خلال مراجعته، عثر هيرندون على هفوة في العمليات الحسابية، حيث كان الباحثان قد تجاهلا خمسة بلدان من أصل الدول العشرين في عمليات حساب المتوسط، الأمر الذي، من المؤكد، يغيّر جذريًا شكل النتائج.

بعد تصحيح هذا الخطأ، تبيّن أن نسبة ال 90% لم تعد عتبة يتنقل فيها الواقع الاقتصادي من متوسط نمو بقيمة إيجابية تبلغ 2.8% إلى قيمة سلبية تبلغ قيمة -0.1% عاكسة حالة ركود.  بل تبين أن الاقتصاد يواصل النمو حتى لو تجاوزت نسبة ال XYZ جدار ال 90%.  وقد نشر هيرندون مراجعته في ورقة بحثية (**) في محاولة لاحتواء الضجة التي أحدثتها دراسة رينهارت وروجوف عام 2010. 

حسنًا، لم كتبت هذا النص؟ وما علاقة ذلك بالمسألة اللبنانية؟ 

من جهة، أرسل لي صديق، في الأمس، مسودّة الخطة الحكومية (Power Point) المسرّبة (أو التي تم تسريبها إن شئتم). الخطة الانقاذية، في الحقيقة، ليست مطلقًا خطة تحوّل الواقع المفلس إلى واقع مزدهر. بل خطة تنقل الواقع من حالة كارثية إلى حالة أقل كارثية بعد سنوات. لسوء حظنا أن السّحر ليس حقيقيًا، إذ ليس ثمة من وصفات سحرية تنقذنا فورًا من المأساة الاقتصادية التي نعيشها اليوم في لبنان. المهم، في الصفحة السادسة من المستند تحدّد الخطّة هدفًا بين أهدافها بخفض نسبة ال XYZ من 175.6% (***) في عام 2019  إلى 90.1%  بحلول عام 2027.  وكل ما أخشاه، حقيقة، أن تكون الحكومة، أو الجهة الاستشارية التي أجرت الدراسة، قد اعتمدت  على مراجع غربية كانت قد اعتمدت على نتائج الورقة البحثية المذكورة في تحديد هدفها بالوصول إلى قيمة ال 90.1% من نسبة ال XYZ.  من جهة أخرى، صادف، في الأمس أيضًا، أني قرأت نصًا (****) وشاهدت فيديو لباحث فرنسي يدعى دافيد لوابر (David Louapre) عن موضوع الورقة البحثية المنشورة التي تبيّن أن فيها خطأ. كان هدف لوابر في إشارته إلى قصة هذه الورقة إعطاء مثل حقيقي يُبيّن ضرورة أن تكون النتائج البحثية التي تنشر في المجلات العلمية قابلة لإعادة الإنتاج من قبل أي باحث متخصص؛ وهذه، بالفعل، معضلة كبيرة يواجهها الباحثون (أواجهها أنا شخصيًا كذلك) عندما يقرأون مقالات علمية من الصعب التأكد من صحة النتائج فيها.  في الخلاصة، هذه الصدفة التي جمعت بين اطلاعي على مسودّة الخطة الحكومية وبين اطلاعي على قصة الورقة، هي التي فرضت عليّ كتابة هذا النص ومشاركته معكم. الصدفة فرضت عليّ شعورًا بالمسؤولية: مسؤولية إخبار ما أتيح لي الإطّلاع عليه، وربما، لم يتطلع عليه غيري.

إبراهيم بيطار

هوامش

(*) مرجع الورقة: Reinhart, Carmen M., and Kenneth S. Rogoff. “Growth in a Time of Debt.” American economic review 100.2 (2010): 573-78.

(**) مرجع الورقة: Herndon, Thomas, Michael Ash, and Robert Pollin. “Does high public debt consistently stifle economic growth? A critique of Reinhart and Rogoff.” Cambridge journal of economics 38.2 (2014): 257-279.

(***) ليس غريبا أن تتجاوز نسبة ال XYZ  عتبة ال 100% بحيث تتجاوز قيمة الديون المتراكمة قيمة الناتج المحلي الاجمالي، وإن كان لذلك دلالات اقتصادية سلبية بشكل رئيسي. في إيطاليا، مثلا، تبلغ هذه النسبة اليوم 135%، بينما في لبنان وصلنا إلى %175 وهذه نسبة قياسية، من الأعلى في العالم، إن لم تكن الأعلى.  

(****) عنوان النص Les politiques d’austérité, à cause d’une erreur sous Excel .  المرجع https://sciencetonnante.wordpress.com/2020/04/17/austerite-excel/

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s